خليل الصفدي

58

الوافي بالوفيات ( دار صادر )

ولكنه حلال ، وما هذه المواد إلا بحر ولكنه العذب الزّلال . ثم ثاب ذهنه فقال : بل هذا لفظ من أوتي ملك البراعة . وخطب بفضله على منابر الأنامل في شعار السواد خطيب البراعة ، فسيفه قلمه ، وجنده كلمه ، وذخائره المعاني التي تنمى على الإنفاق وسراياه شوارد الأمثال التي تسري بها رفاق الآفاق . وعلم المملوك ما اشتمل عليه هذا الكتاب من إحسان عميم ، وفضل صدر عن كرم أصل وشرف جسيم ، وودّ مثله من يرعاه ولا يرعى الودّ القديم إلا الكريم ، وفضل ما وصف إلا نفسه . فإنه لا يشارك في الفضل الجسيم ، فشكر المملوك وأثنى وقبّل فرائد سطوره مثنى مثنى وعوّذ محاسن مهديه بأسماء اللّه الحسنى ، وقال : إن قيل هذا الدرّ فالدرّ دونه ، ولكنه زهر الدراري بل أسنى . وقرّظ ذلك الفضل الراسخ والبديع الذي إذا تعاطاه فهو المبدع « 1 » ، وإن تعاطاه غيره فإنه الناسخ . وكلّف فكره الإجابة فاستقال . وعاوده فما زاد على أن قال : كنت تقدر على هذا والبديهة مطاوعة ، والقريحة مسارعة ، والخاطر نقّاد ، والفكر منقاد ، والمواد مجتمعة ، والمسالك متّسعة ، والشباب جامع لهذه الأسباب ، والفراغ رادع عن الإحجام عن اقتحام هذا الباب . فأمّا الآن فخاطرك مكدود ، وباب نشاطك مسدود ، وعوارض الكبر رادعة ، وهواجس الفكر في أمر معادك صادّة صادعة . فعلم المملوك صدق هذا الجواب ، وكاد يوافق الخاطر على التوجّه صوب هذا الصواب . لكن خشي أن ينسب إلى إهمال حقّ سيّده ، ومن يرجو بركة سلفه ليومه وغده . فسطّرها المملوك معتذرة عن قصوره ، مقترنة بنظم تتطاول بيوته إلى منارة قصوره : [ من الطويل ] . فما هو من أكفاء أبياتك التي * سررت بها سرّي وأعليت لي قدري وشتّان ما بين الثريا إلى الثرى * وأين السّهى من طلعة القمر البدر وهي : [ من الطويل ] ذكرت ولم أنس الزمان الذي خلا * فعاد غرامي مثلما كان أوّلا

--> ( 1 ) ز : المبدع له .